الآلوسي
25
تفسير الآلوسي
أبو السعود عليه الرحمة حيث حمل البطلان على الفساد في نفسه ، و * ( ما كانوا يعملون ) * على أعمالهم في أثناء تحصيل المطالب الدنيوية ، ثم قال : ولأجل أن الأول من شأنه استتباع الثواب والأجر وأن عدمه لعدم مقارنته للإيمان والنية الصحيحة ، وأن الثاني ليس له جهة صالحة قط علق بالأول الحبوط المؤذن بسقوط أجره بصيغة الفعل المنبىء عن الحدوث ، وبالثاني البطلان المفصح عن كونه بحيث لا طائل تحته أصلاً بالاسمية الدالة على كون ذلك وصفاً لازماً له ثابتاً فيه ، وفي زيادة - كان - في الثاني دون الأول إيماءً إلى أن صدور أعمال البر منهم وإن كان لغرض فاسد ليس في الاستمرار والدوام كصدور الأعمال التي هي مقدمات مطالبهم الدنيئة انتهى . ويحتمل عندي على بعد أن يراد - بما كانوا يعملون - هو ما استمروا عليه من إرادة الحياة الدنيا وهو غير ما صنعوه من الأعمال التي نسب إليها الحبوط وإطلاق مثل ذلك على الإرادة مما لا بأس به لأنها من أعمال القلب ، ووجه الإتيان - بكان - فيه موافقته لما أشار هو إليه ، وفي الجملة تصريح باستمرار بطلان تلك الإرادة وشرح حالها بعد شرح حال المريد وشرح أعماله أراد بها الحياة الدنيا وزينتها ، وأياً مّا كان فالظاهر أن * ( باطل ) * خبر مقدم و * ( ما كانوا ) * هو المبتدأ ، وجوز في " البحر " كون * ( باطل ) * خبراً بعد خبر ، و * ( ما ) * مرتفعة به على الفاعلية ، وقرئ - وبطل - بصيغة الفعل أي ظهر بطلانه حيث علم هناك أن ذاك وما يستتبعه من الحظوظ الدنيوية مما لا طائل تحته أو انقطع أثره الدنيوي فبطل مطلقاً ، وقرأ أبي . وابن مسعود - وباطلاً - بالنصب ونسب ذلك إلى عاصم وخرجه صاحب اللوامح على أن * ( ما ) * سيف خطيب - وباطل - مفعول - ليعلمون - وفيه تقديم معمول * ( كان ) * وفيه - كتقديم الخبر - خلاف ، والأصح الجواز لظاهر قوله تعالى : * ( أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ) * ( سبأ : 40 ) ومن منع تأول ، وجوز أن يكون منصوباً - بيعملون - و * ( ما ) * إبهامية صفة له أي باطلاً أي باطل ، ونظير ذلك حديث ما على قصره ولأمر ما جدع قصير أنفه ، وأن يكون مصدراً بوزن فاعل ، وهو منصوب بفعل مقدر ، و * ( ما ) * اسم موصول فاعله أي بطل بطلاناً الذي كانوا يعملونه ، ونظيره خارجاً في قول الفرزدق : ألم ترني عاهدت ربي وأنني * لبين رتاج قائماً ومقام عليّ حلفة لا أشتم الدهر مسلما * ولا ( خارجاً ) من في زور كلام فإنه أراد ولا يخرج من في زور كلام خروجاً ، وفي ذلك على ما في " البحر " إعمال المصدر الذي هو بدل من الفعل في غير الاستفهام والأمر هذا ، والظاهر أن الآية في مطلق الكفرة الذين يعملون البر لا على الوجه الذي ينبغي ، وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم . وغيرهما عن أنس رضي الله تعالى عنه أنها نزلت في اليهود والنصارى ، ولعل المراد - كما قال ابن عطية - أنهم سبب النزول فيدخلون فيها لا أنها خاصة بهم ولا يدخل فيها غيرهم ، وقال الجبائي : هي في الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الله تعالى حظهم من ذلك سهمهم في الغنائم ، وفيه أن ذلك إنما كان بعد الهجرة والآية مكية ، وقيل : في أهل الرياء يقال لقارىء القرآن منهم : أردت أن يقال : فلان قارىء ، فقد قيل : اذهب فليس لك عندنا شيء ، وهكذا لغيره من المتصدق . والمقتول في الجهاد . وغيرهما ممن عمل من أعمال البر لا لوجه الله تعالى ، وربما يؤيد ذلك ما روي عن معاوية حين حدثه أبو هريرة بما تضمن ذلك فبكى ، وقال : صدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم * ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ) * إلى قوله سبحانه : * ( وباطل ما كانوا يعملون ) * ( هود : 16 ) وعليه فلا بد من